من يذكر تلك الأيام
بقلم: هناء شرف

أيام مليئة بالدفء والحنان والصدق والمحبة والإخلاص.. إخلاص بالعمل، وصدق بالتعامل، ومحبة نقية وصادقة، هنا في هذا الريف الجميل شيد مركز ثقافي متواضع من مشروع "الفرنك"، وذلك سنة 1950 سمي المركز الثقافي العربي في دوما.
وكان لي نصيب به، الحياة جميلة وأيامها رائعة، وكل يوم من أيام المركز الثقافي كان صاخباً مليئاً بالحياة والعطاء، عطاء من الكادر المحترم.

مكتبة المركز الثقافي:
كانت هي المركز الرئيسي للرواد الآتين من كل حدب وصوب، هناك عشاق للثقافة، عشاق للفلسفة، عشاق للأدب، عشاق للدين، وأمهات الكتب، والشعر والقصص على أنواعها، العربية والمترجمة.
كنا نساعد الرواد باقتناء القصص والكتب المراد تداولها ونحن سعداء دون كلل أو ملل.
كانت الآنسة هند الحريب دائماً متألقة وذات حضور رائع وثقافتها غالبة على شخصيتها، وكان العمل معها ممتع، ذات عطاء رائع وإنسانة بكل معنى الكلمة، كانت توزع الابتسامات على الرواد مما كان يشجعهم للارتداد على المكتبة وكانت آنسة محبوبة جداً.
صنفت الآنسة هند المكتبة على تصنيف الديوي العشري، وقسمتها مواضيع كل موضوع على حدة وذلك لتسهيل عملية الإعارة.
كانت تتم الإعارة عن طريق بطاقة يسجل بها اسم الطالب، وأسماء الكتب، وتاريخ الإعارة ولفترة زمنية غير محددة، وذلك لقاء مبلغ رمزي تحدده وزارة الثقافة، وكان يتم شراء الكتب من ميزانية محددة للمكتبة، وكان هناك عروض لدور النشر مثل دار كنعان ودار طلاس، حيث تقام في المركز معارض كتب متنوعة وتنتقي الآنسة هند منها كتب للمكتبة العامة وأنتقي أنا كتب لمكتبة الأطفال، وكل سنتين هناك جرد للمكتبات، المكتبة العامة ومكتبة الأطفال.

في حال عدم وجود كتب معينة في المكتبة كان الرواد يسألون عنها وكانت الآنسة هند تقوم بتسجيلها بقائمة وترفدها للوزارة وتوافق الوزارة عليها، وهناك لجنة أصدقاء المركز، نخبة من الرواد المبدعين الذين يهمهم توسيع الثقافة للأجيال المقبلة وإعطاء الأمل لهم على مدار العمر.
كان يتم دائماً التحاور مع الآنسة هند الحريب، ومن ثم يطلع عليه رئيس المركز.
ومن أصدقاء المركز في ذلك الزمن: المرحوم طه عمرين، كان مفكر وكاتب ومدرس لغة عربية وله كتاب بالمكتبة اسمه "الجولان".

وأيضاً المرحوم الأستاذ معروف زريق مدرس فلسفة وعلم نفس وأتحف المكتبة العامة بإهدائه إياها كتب غنية ومفيدة للرواد ولا زالت موجودة لهذا اليوم في متناول الرواد.
وكان يتم الإهداء من قبل المؤلفين عن طريق وزارة الثقافة إلى مكتبة المركز مع شهادة شكر من الوزارة للمؤلف.
أما المحاضرات، كانت تقام على مسرح المركز برعاية الوزارة ضمن بطاقات مطبوعة ويسجل عليها اسم المحاضر وعنوان المحاضرة وتاريخها وتعمم تلك البطاقات على المدارس والدوائر الرسمية، وصدقاً يكون الحضور أكثر من مئتي شخص، وأذكر المحاضر عدنان السبيعي، دكتور علم النفس، وكانت القاعة تعج بالحضور من جميع الفئات والمستويات والأعمار وتنتهي بحوار وأسئلة يطرحها الحضور على المحاضرين وتنتهي بابتسامات موزعة وتعارف ومصداقية راقية.

مكتبة الأطفال:
كانت مكتبة الأطفال يتناولها الأطفال واليافعين من أعمار مختلفة، فكانت تضم سلاسل من المكتبة الخضراء، وقصص مسلية، وقصص خيالية، كانت هناك قصص تشمل بداخلها الحكم والعبر، وسلاسل ثقافية بحتة تحكي عن كل شيء، وكتب تحكي قصص غريبة مثل "الليدي بيرد"، وسلاسل "هل تعلم" و "الناجحون" ، و"نوابغ العرب"، واعترضت على تسميتها مكتبة الأطفال فسميتها مكتبة الأطفال واليافعين.
كان روادها كثيرون وعشاقها ينهلون منها كل شيء بواسطة الإعارة، كانت تتم عن طريق دفتر يسجل في اسم المستعير وعدد القصص وعنوانها لفترة زمنية أيضاً غير محددة، وأذكر أني نشطها سنوات طويلة وأبدعت بها، فهناك كنا نعرض أفلام الفانوس السحري وسلايدات أفلام للأطفال مرة أو مرتين بالأسبوع لكافة المدارس في المنطقة، ونلت من السيد أبو فيصل محلاية وثيقة شكر لتنشيطي للمكتبة.

الجولات المتنقلة:
من ضمن نشاطات المركز الثقافي في ذلك الوقت نشاط الجولات المتنقلة التي كان يشرف عليها السيد كرم اليوسفي والسيد جورج نعمة، كانا يقومان بتوزيع وتغذية المراكز الثقافية بالكتب إما الواردة من الوزارة أو شرائها من ميزانية المركز، كان هناك مبلغ مخصص بتزويد الكتب المستقلة ومكتبة المركز الثقافي في دوما.
كان يتم توزيع الكتب على منطقتين: المنطقة الشرقية وتضم الضمير، النبك، يبرود، دير عطية، والنشابية، والمنطقة الغربية وتضم الزبداني، بيت جن، قطنا، ومزرعة بيت جن.
وكانت تتم الإعارة عن طريق البلديات برسم رمزي وبعدها تعاد للجولات، ومع إعارة الكتب كان المشرفون يقومون بعرض أفلام ثقافية زراعية مساءً تخص تلك المناطق بأرياف دمشق الفرعية، وكان ذلك في سنوات 1973، 1974، و1975.
ووزعت الكتب على مكتبات ثابتة للمراكز الثقافية عن طريق البلديات.

نشاط معهد الثقافة الشعبية:
وأتحف المركز ونشط بمعهد الثقافة الشعبية الذي كانت دوراته لها عراقتها وتألقها وأبرزها الخياطة والحلاقة وصناعة الورد، وكان المعهد أيضاً يعج بالمنتسبين لهذه الدورات، وعند نهاية كل دورة كانت تختتم أعمال الطالبات بمعرض يضم أعمالهن وإنتاجهن على مدار الفصل وكنت أيضاً أساعد بترتيب المعرض الذي كان يضم ملابس أطفال وتريكو وورد، وأنا فرحة بكل تلك العروض الجمالية التي أبدعتها مدرسات مبدعات، وكان المعرض يتم أيضاً بإشراف ورعاية الشعبة، والسيد يعقوب القاضي، الذي كان له الفضل في تنشيط معهد الثقافة الشعبية في ذلك الوقت، مع السيد عادل كامل مدير المعهد.
كانت المعارض دائماً تقام تحت إشراف إما الشعبة أو الوزارة.
بالإضافة لمعارض الدورات التابعة للمركز، كان هناك معارض خارج المعهد لفنانين مبدعين من رسم لوحات فائقة الجمال ومن تصوير فوتوغرافي، ومعارض كتب من أكثر من دار نشر.

مهرجانات الفنون الشعبية:
أما على المستوى الفني، فكان المهرجان يضم عدة مراكز من بينها المركز الثقافي العربي بأبو رمانة وكان المهرجان يقام بعروس الساحل اللاذقية وقدم عروض ومسرحيات وأغاني ودبكات، كان هناك عرس، وعرس حقيقي، وأذكر هذه السنة التي عملت بها كانت سنة 1978.
هناك جو مرح من الزملاء: الآنسة هند الحريب، الأستاذ محمود عباس، والأستاذ عادل كامل، كانوا بعروس الساحل السوري بالمهرجان الذي يقام على ربوع اللاذقية وكان المهرجان برعاية وإشراف أيضاً وزارة الثقافة أيضاً، وأقيم هذا المهرجان في اللاذقية مرتين فقط سنة 1977 و 1978 وبعدها توقفت عروض المهرجانات.

الأيام الجميلة (خاص):
كنا نذهب مع المشرفين إلى المراكز الثقافية من خلال جولاتهم ويا فرحتي كانت حين يقال لي أن أذهب معهم وننطلق إلى ربوع تلك المناطق الخلابة المطلة على وديان وربوات آية بالجمال والإبداع الرباني، وكنا نتردد أيضاً على المركز الثقافي في التل الذي كان الوحيد على مستوى المنطقة، كنا نحتسي القهوة بعد صباح جميل وتحاور راقٍ مع رئيس المركز محمود ياسمينة، تحاور يخص الثقافة عن الكتب والمطالعة...
لم يكن لدينا فراغ إطلاقاً، كنا عطاءً لكل من ينهل من المكتبة العامة أو مكتبة الأطفال واليافعين أو المعهد أو الجولات المتنقلة، كنا الحلقة الرابطة لإرضاء جميع شرائح العابرين في هذه الحياة إلى المركز الثقافي العربي في دوما.
هذا هو المركز الثقافي في ذلك الزمن الجميل، كل شيء فيه معبر عن أنامل وشخصيات ومبدعين ومبدعات ومحاضرين ومحاضرات ومدرسين ومدرسات ورواد وعشاق للثقافة، كان الكل يغدق بسخاء ويتعامل بأخلاق واحترام.

وأسدل الستار عن هذا الزمن الجميل مع هذا الكادر المحترم الأصيل بعطائه والمؤلف من:
- السيد عدنان إدريس رئيس المركز الثقافي وشخصية مهيبة صارمة لكن وراء تلك الشخصية قلب طيب ويكره قطع الأرزاق.
- الآنسة هند الحريب المتألقة دائماً والمعداءة دائماً دون كلل أو ملل، مثالية جديرة بالاحترام.
- السيد عادل كامل مدير معهد الثقافة الشعبية، رجل له حضوره وله احترامه، كلف إليه أكثر من عمل، أبدع وأعطى وتفانى.
- السيد كرم اليوسفي مشرف ثقافي واثق من نفسه، مثقف بكل الأمور، محترم لا يحب النفاق، ضحكته عالية ومحببة، وناقد ذكي.
- السيد جورج نعمة شخصية مثالية نقية صافية، مشرف ثقافي أيضاً، اجتماعي، يحب الخير حتى لأعدائه.
- السيد محمود عباس: كان كما يقوم المثل "مثل زبدية الصيني كيف ما رنيته يرن"، كان عضو بالاتحاد النسائي كمحاسب، وكان له إبداع بالمكتبة العامة، قلب طيب وشهم، واستلم أخيراً محاسباً للمركز.
كان هذا هو الكادر الراقي لذلك المركز المتواضع ببنائه في ذلك الوقت والغني بكادره المحترم.

هناء حسني شرف (بنت المكتبات من تاريخ 1/6/1977)
 
Share  

تابع نشاطات المديرية
خلال هذا الشهر


نشاطات اليوم


آخر الأخبار


free counters

أضف الموقع إلى المفضلة

مديرية الثقافة بريف دمشق © 2017 - 2012
Copyright © doc-dc.gov.sy
م. رندة بشير تصميم وتطوير
Designed & Developed by Eng. Randa Basheer
اتصل بنا ورقة وقلم
صفحة للقراء
نوافذ ثقافية متميزة
روابط مفيدة
مكتبة
مكتبة الصور
المكتبة الإلكترونية
معلومات وإحصائيات
أعلام الأدباء
كشكول
الأخبار
المعارض
الإعلانات
أجندة
النشاطات
المقالات
بوصلة
المراكز الثقافية
معاهد الثقافة الشعبية
المكتبات
المديرية
نشاطات المديرية