بدر شاكر السياب

"جيكور" هي قرية صغيرة تقع بمنطقة أبو الخصيب جنوب البصرة بالعراق إلى جانب غيرها من القرى، ربما كان من الصعوبة أن يرد ذكرها في التاريخ لصغر حجمها وبساطة أهلها، ولكن قدر لهذه القرية الصغيرة أن يرتبط أسمها مع اسم واحد من أهم رواد الشعر الحر وهو بدر شاكر السياب والذي ولد بين أحضان "جيكور"، وترعرع بين ربوعها وحقولها، وجيكور هي كلمة فارسية تعني "بيت العميان". والسياب هو أحد رواد الشعر الحر من أمثال نازك الملائكة، والذين تحرروا من القيود التي كانت تفرض في نظم القصيدة العربية، عبر في قصائده عن الصراع بين الخير والشر مستخدماً الرموز والأساطير، وعانى في حياته القصيرة التي امتدت على مدار 38 عام الكثير من المأسي والأحزان، إلى أن جاءت وفاته بعد صراع قاسي مع المرض في 24 ديسمبر 1964. البداية ولد بدر شاكر عبد الجبار بن مرزوق السياب كما سبق أن ذكرنا بقرية جيكور عام 1926م، وتنتمي عائلته للمذهب السني، وكان بدر هو الابن الأكبر بين أبناء شاكر عبد الجبار الثلاثة، توفيت والدته وهو في السادسة من عمره، فكانت أولى الصدمات التي عانى منها، جاء بعدها زواج والده مرة أخرى وانتقاله للعيش مع جدته لأمه. تلقى السياب تعليمه الابتدائي بإحدى القرى القريبة من جيكور وتدعى "باب سليمان"، ثم تابع دراسته الثانوية في البصرة، وتفجرت الموهبة الشعرية لدى السياب صغيراً وربما ساعده في ذلك وجوده في طبيعة جميلة، فانطلق في كتابة الأشعار عن الطبيعة وعن مشاعره الخاصة. التحق عام 1943 بدار المعلمين العالية ببغداد، وأقام بالقسم الداخلي ملتحقاً بفرع اللغة العربية، وانكب على القراءة، فقرأ لشارل بودلير الشاعر والناقد الفرنسي والذي يعد من ابرز شعراء القرن التاسع عشر، وتأثر السياب بهذا الشاعر فقدم قصيدته "بين الروح والجسد" وهي قصيدة ناهزت الألف بيت قام بإهدائها لروح بودلير، كما أكثر من الإطلاع على كل من الأدبين العربي والإنجليزي، خاصة بعد انتقاله إلى قسم اللغة الإنجليزية بدار المعلمين، وعقب تخرجه عمل السياب كمدرس للغة الإنجليزية بإحدى المدارس الثانوية. حياة السياب صعوداً وهبوطاً تعرض السياب خلال حياته لعدد من المأسي والأحزان التي تركت الكثير من الآثار في نفسه منها وفاة والدته وهو مازال في السادسة من عمره، وزواج والده مرة أخرى ثم وفاة جدته والذي كان شديد التعلق بها، ومصادرة أملاكها، وتعرضه لمشاكل مادية، ومما قاله في رسالة لأحد أصدقائه عن وفاة جدته والتي تركت وفاتها بالغ الأثر في نفسه " افيرضى الزمن العاتي، أيرضى القضاء أن تموت جدتي أواخر هذا الصيف فرمت بذلك أخر قلب ينبض بحبي؟ أنا أشقى من ضمت الأرض" كما لعبت العواطف دوراً في حياة السياب فيأسه في إيجاد الحب وافتقاره للوسامة وعدم مقابلته لفتاة يحبها وتحبه كل هذا ترك في نفسيته شعوراً بالظلم والمرارة جعله يخرج انفعالاته من خلال الشعر، وإن كان السياب حاول أكثر من مرة أن ينعم بالحب، فأحب ابنة عمه وفيقة، وكان يذهب لمساعدة جده برعاية الماشية أملاً في الفوز بحب إحدى الراعيات البدويات، ثم جاء تعلقه في بغداد بإحدى زميلاته وتدعى لبيبة أو "ذات المنديل الأحمر" والتي قال فيها: خـيـالك مـن أهـلي الأقـربين أبّــــــر وإن كــــــان يــعــقـل أبــي مـنـه جـردتـني الـنساء وأمـي طواها الردي المعجل وما بي من الدهر إلا رضاك فـمـر حـمال فـالدهر لا يـعدل ثم توالى حبه للكثير من الزميلات والفتيات والذي كان يعتبر كل واحدة منهم ملهمته، وجاء عدم توفيقه في حبه للشاعرة "لميعة" نظراً لاختلاف المذاهب الدينية لينفجر في نفسه الكثير من الحزن والمرارة فثار على العادات الاجتماعية الدينية وصب انفعاله هذا في قصيدته "أساطير" عام 1948 والتي قال فيها: أساطير من حشرجات الزمان نـــســيــج الــــيـــد الــبــالــيـة رواهـــا ظـــلام مــن الـهـاوية وغــــنــــى بــــهـــا مـــيــتــان أسـاطـير كـالـبيد مــاج سـراب عـلـيها وشـقـت بـقـايا شـهـاب وأبـصرت فـيها بـريق الـنضار يلاقي سدى من ظلال الرغيف وأبـصـرتني والـسـتار الـكثيف يـواريـك عـنـي فـضاع انـتظار وخـابت مـنى وانتهى عاشقان شعر السياب بالمقت لكل أشكال الظلم الاجتماعي والسياسي، فاتجه للسياسة يفرغ بها انفعاله وانضم إلى حلقات سياسية أثناء فترة تواجده بالجامعة فشارك في إضراب 1946 وتم فصله سنة من الجامعة على أثر ذلك، ثم عاود المشاركة مرة أخرى في المظاهرات مما أدى إلى سجنه، وبعد خروجه عاد لإكمال دراسته إلا انه ظل مشاركاً في التحركات السياسية حتى تخرجه. الشعر في حياته على الرغم من مشاركته السياسية وتعرضه للسجن إلا أن السياب لم يترك الشعر أبداً فكان يسري مع الدم في عروقه، وجاء تقديمه لديوانه الأول في القاهرة عام 1947 بعنوان "أزهار ذابلة" ويضم قصيدته "هل كان حباً" والتي أعتبرها السياب أول قصيدة في الشعر الحر، وقد وقع الخلاف بين كل من السياب ونازك الملائكة على من الأسبق في تقديم هذا النوع من الشعر والذي خرج فيه كليهما عن المألوف في أسلوب نظم القصيدة العربية، ومن المعروف أن الملائكة قدمت بدورها قصيدة "الكوليرا" والتي يقال أيضاً أنها أول قصيدة في الشعر الحر. ويقول السياب في قصيدته "هل كان حباً" هَـــــلْ تُـسـمّـيـنَ الــــذي ألــقــى هــيـامـا ؟ أَمْ جـــنــونــاً بــالأمــانــي ؟ أم غـــرامـــا ؟ مـــا يــكـون الــحـبُّ ؟ نَــوْحـاً وابـتـسـاما ؟ أم خُفوقَ الأضلعِ الحَرَّى ، إذا حانَ التلاقي بـيـن عَـيـنينا ، فـأطرقتُ ، فـراراً بـاشتياقي عـــن ســمـاءٍ لــيـس تـسـقـيني، إذا مـــا ؟ جـــئــتُــهــا مــســتــسـقـيـاً ، إلاّ أوامـــــــــا من الدواوين الشعرية التي قدمها السياب "أعاصير" والذي ظهر فيه اهتمامه بقضايا الإنسانية وقد حافظ فيه على الشكل العمودي للقصيدة، وبعد اتجاه للشعر الحر اتخذ من المطولات الشعرية وسيلة للكتابة فقدم "الأسلحة والأطفال"، "المومس العمياء"، "حفار القبور" والتي قدمها في 299 بيت مزج بها الأسلوب القصصي بالوصف والمشاعر وكانت تجمع بين القضايا الاجتماعية والشعر الذاتي. كما قدم السياب "أنشودة المطر" وهي واحدة من أروع قصائده، تم نشرها في مجلة الآداب، وهي القصيدة التي هيئت له الفوز بالجائزة الأولى في مسابقة مجلة "شعر" لأفضل مجموعة مخطوطة. عـيـنـاكِ غـابـتا نـخـيلٍ سـاعـةَ الـسـحر أو شـرفـتانِ راحَ يـنـأى عـنـهُما الـقمر عـيـناكِ حـيـن تـبـسمانِ تُـورقُ الـكروم وتـرقصُ الأضـواءُ.. كـالأقمارِ في نهر يـرجُّهُ الـمجذافُ وَهْناً ساعةَ السحر... كـأنّـما تـنـبُضُ فــي غـوريـهما الـنجوم وتـغرقان فـي ضـبابٍ مـن أسـىً شفيف كـالـبحرِ ســرَّحَ الـيـدينِ فـوقَهُ الـمساء دفءُ الـشتاءِ فـيه وارتـعاشةُ الـخريف والـمـوتُ والـمـيلادُ والـظلامُ والـضياء فـتستفيقُ مـلء روحـي، رعـشةُ البكاء ونــشــوةٌ وحــشـيـةٌ تــعـانـق الـسـمـاء كـنـشوةِ الـطـفلِ إذا خــاف مــن الـقـمر كـأنَّ أقـواسَ الـسحابِ تـشربُ الغيوم.. وقـطـرةً فـقـطرةً تــذوبُ فــي الـمـطر... وكـركـرَ الأطـفالُ فـي عـرائش الـكروم ودغدغت صمتَ العصافيرِ على الشجر أنــــــــــشــــــــــودةُ الـــــــمـــــــطــــــر مــــــــــــــــــــــــــــطــــــــــــــــــــــــــــر مــــــــــــــــــــــــــــطــــــــــــــــــــــــــــر مــــــــــــــــــــــــــــطــــــــــــــــــــــــــــر قرية السياب ثم قدم مجموعته "المعبد الغريق" وفيها انتقل من تموز والمطر في "أنشودة المطر" إلى السراب والمراثي، ثم بدأ في التوغل في ذكرياته وأصبح شعره معبراً عن سيرته الذاتية فجاءت قصائد " منزل الأقنان"، و"شناشيل ابنة الجلبي"، "الهدايا"، "قيثارة الريح"، "فجر السلام". عمل السياب كمدرس ثانوي في إحدى القرى، ثم سجن لفترة نظراً لتحركاته السياسية ضد النظام، وتم منعه إدارياً من التدريس لمدة عشر سنوات، وأثناء ذلك عانى السياب من اليأس والوحدة والفقر لفترات طويلة، فظهر شعره حزيناً يعكس حالته النفسية، وتنقل بين أكثر من عمل، فعمل كذواقة للتمر بالبصرة، كما عمل كاتب في شركة نفط بالبصرة، ومأمور مخزن لإحدى الشركات، كما عمل كصحفي ولم يترك الشعر للحظة حيث كان أداته في التعبير ما يدور في نفسه. توترت الأوضاع في العراق في فترة الخمسينات، ونظراً لماضيه السياسي هرب السياب متخفياً إلى إيران ومنها إلى الكويت، والتي عمل فيها في إحدى الوظائف المكتبية بشركة كهرباء الكويت، ثم مالبث أن عاد مرة أخرى إلى بغداد وتم تعينه موظفاً بمديرية الاستيراد والتصدير العامة، وعقب عودته زاد في نظم أشعاره متأثراً بأحوال وطنه العراق، وتذكر قريته "جيكور" والتي ترمز لديه للبراءة والحب والطفولة فكان يلجأ إليها كثيراً أملاً في الراحة والسلام وللابتعاد عن قسوة المدينة ومما قاله في قريته الجميلة قصيدة "جيكور والمدينة" وتـــلـــتـــف حـــــولــــي دروب الـــمــديــنــة حـــبــالاً مـــــن الــطــيـن يـمـضـغـن قــلـبـي ويــعــطـيـن عـــــن جـــمــرة فـــيــه طــيــنـة حبالاً من النار يجلدن عرى الحقول الحزينة ويــحــرقـن جــيـكـور فــــي قــــاع روحــــي ويــــزرعـــن فــيــهــا رمــــــاد الــضـغـيـنـة دروب تـــــقــــول الأســـاطـــيـــر عـــنـــهـــا عـــلــى مـــوقــد نـــــام مـــــا عــــاد مــنـهـا ولا عـــــاد مـــــن ضـــفــة الــمــوت ســــار كــــــــــــأن الــــــصــــــدى والـــســـكــيــنــة تزوج السياب عام 1955 من السيدة إقبال وهي معلمة بإحدى مدارس البصرة الابتدائية، والتي أنجب منها أبنائه الثلاثة غيداء وألاء وغيلان، هذه السيدة التي أصبحت رفيقته في رحلته القصيرة مع الحياة والتي تحملت لحظات مرضه القاسية. إقـبـال مــدي لــي يـديك مـن الـدجى ومـن الـفلاة جـسـي جـراحـي وامـسـحيها بـالـمحبة والـحـنان بـــك أفـكـر لا بـنـفسي: مــات حـبـك فــي ضـحـاه وطوى الزمان بساط عرسك والصبا في عنفوان المصدر: وزارة الثقافة - مبدعون - 11/02/2009
 
Share

تابع نشاطات المديرية
خلال هذا الشهر


نشاطات اليوم


آخر الأخبار


free counters

أضف الموقع إلى المفضلة

مديرية الثقافة بريف دمشق © 2015 - 2012
Copyright © doc-dc.gov.sy
م. رندة بشير تصميم وتطوير
Designed & Developed by Eng. Randa Basheer
اتصل بنا ورقة وقلم
صفحة للقراء
نوافذ ثقافية متميزة
روابط مفيدة
مكتبة
مكتبة الصور
المكتبة الإلكترونية
معلومات وإحصائيات
أعلام الأدباء
كشكول
الأخبار
المعارض
الإعلانات
أجندة
النشاطات
المقالات
بوصلة
المراكز الثقافية
معاهد الثقافة الشعبية
المكتبات
المديرية
نشاطات المديرية