"قراءة وتحليل في شعر مظفر النواب" في ثقافي جرمانا

بدعوة من ثلاثاء جرمانا الثقافي ألقى الأستاذ الباحث محمد أبو عجرم محاضرةً بعنوان " قراءة وتحليل في شعر مظفر النواب " استهلها بمقولة مايا كوفسكي " إن الشعر والثورة متحدان "..


وهذا ما ينطبق على مظفر النواب وشعره السياسي الثوري الاستثنائي حيث رسم بالكلمات فجاء بالسحر الحلال النابع من ثقافة سياسية وتراثية متكئاً على معين لغوي واسع طافح بمفردات متوهجة وبمعان متوفزة في مباشرة موظفة ، وتخييل يفيض بالجدة والأفكار البكر المستلهم من عمق أسطوري وديني وتاريخي استطاع النواب أن يسقطه على محاميل قصائده فجاء بالسؤال الشعري وإدهاشه ملتقطاً المفارقة بين الحلم والواقع عبر القص والسرد حيناً ، أو عبر المونولوج الداخلي وحوار المصطلحات والمفاهيم ، في تمازج إجناسي أدبي استفادت قصيدته من التقاء عدة مواهب تجتمع بصاحبها موسقةً وتشكيلاً إلى جانب شعرية الأديب التي ساهمت بشعرية قصائده التي ضمّنها مجموعتيه الشعريتين " وتريات ليلية والريل وحمد " الأولى شعر فصيح ، والثانية شعر محكي ، إضافة إلى الكثير من قصائده التي تحفظها الذاكرة العربية التي لاحقت منابر النواب وأمسياته الشعرية المهربة والعابرة حدود الدول العربية منذ ستينيات القرن العشرين كون النواب حمل قضاياها والتقط أحزانها وآلامها ، كما بشر بآمالها وأحلامها لاسيما وأنه استطاع كشف الداء والدواء لمعاناة لم تنته بنكبة 1948واحتلال فلسطين من الكيان الصهيوني الغاصب ليلي ذلك نكسة حزيران ، فأيلول الأسود وتشتيت الثورة الفلسطينية عن أطول جبهة مع المحتل على الحدود الأردنية الفلسطينية ، لتتجدد المأساة في لبنان عبر افتعال الحرب اللبنانية التي كانت مقدمة للاجتياح عام1982 الذي قذف بالفلسطينيين ثانية إلى الشتات والسبحة تطول .. لنجد شواهدها في شعر النواب ، مضافاً إليها الأسباب والنتائج التي حصرها النواب بالأنظمة العربية العميلة التي عراها ، وكشف موبقاتها في قصيدة " القدس عروس عروبتكم " التي جاء فيها :
القدس عروس عروبتكم؟؟
فلماذا ادخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع وراء الابواب لصرخات بكارتها
وسحبتم كل خناجركم,
وتنافختم شرفا
وصرختم فيها ان تسكت صونا للعرض؟؟؟
فما اشرفكم!
أولاد " الفتحة " هل تسكت مغتصبة؟ ..

أولاد قراد الخيل كفاكم صخبا
خلوها دامية في الشمس بلا قابلة
ستشد ضفائرها وتقيء الحمل عليكم

وستغرز إصبعها في أعينكم
انتم مغتصبي ّ
حملتم أسلحة تطلق للخلف
وثرثرتم ورقصتم كالدببة
كوني عاقراً يا ارض فلسطين
فهذا الحمل مخيف ..
ولفت أبو عجرم إلى ما اعترى شعر مظفر النواب من المباشرة والوقوع في السرد وما حمله شعره من تداعيات وحشو وانعدام الموضوعية مشيراً إلى أن آراء النقاد التي أخذت على النواب هذه المآخذ لم تلتفت إلى تضايف الأجناس الأدبية على بعضها وأن الملحمية والأسطرة والسرديات والتخييل وغير ذلك من الألوان الأدبية التي يلجأ إليها الشاعر الحديث هي من الأدوات التي يتكئ عليها الشاعر مما شكل إغناء ً للشعر وأثّر بشكله أيضاً فالكثير من الشعراء ومنهم النواب اشتغلوا على الشعر الخليلي وشعر التفعيلة والتفعيلة المدوّرة انتهاءً بالشعر النثري خدمةً للمضمون والمعنى مما جعل الشاعر ينعم بحرية في اختيار الشكل الأكثر ملاءمة لقصيدته فهناك مزاوجة في بعض الأحيان بين الشعر العمودي الذي يأتي كأناشيد ضمن الشعر المقطعي الذي اتخذ من التفعيلة شكلاً حيث اتبع النواب في بعض وترياته تلك الثنائية ..
ورأى أبو عجرم في الشعر المحكي العراقي يداً بيضاء مدّها النواب مدخلاً عليه حداثوية فكرية وشكلية مما ساهم في انتشار الموروث التراثي والجمالي لهذا اللون الشعري ضارباً مثالاً على ذلك قصيدة بعنوان "براءة" التي أرّخت لمرحلة الصراع السياسي في العراق في ستينيات القرن الماضي والتي حضّ فيها على المبادئ والقيم التي يجب أن يكون عليها العقائديون على اختلاف انتماءاتهم وعلى عدم التفريط بالوطن والفكر مهما كانت المغريات أو الضغوطات والتي جاء فيها :

يا بْني ضلعك من ركيتهْ

لْضلعِ جبرته وبنيتهْ
يا ابني خذني لْعرضْ صدرك ْ
واحسبْ الشيب اللي منْ عمرك ْجنيته
أبيض عْيونكْ لبن صدري
وْسواد عْيونك الليل الْ عندْ
مهْدك ْ بكيتهْ
يا بني طش العمى بعيني
وجيتك بعين القلب أدبي ..
على الدرب الْمشيته
شيلة العلاقة يا بني
تذكّرْ كْتوفي بلعب ْ عمرك ْ عليهنْ
سنهْ وكفوفك وردتين عْلى راسي
وبِيك ْ أناغي كل فرح عمري ا ل ْ نسيته
يللي شوفك ْ يبعثْ الماي الزلال بْعودي
وحْيا
وانا مِيتهْ
يا عمدْ بيتي
وْقمر ليلي .. وْربيع الشيب
والعمر الْجنيتهْ
جيت أهزّكْ يا عمد بيتي
لَيكون الدهر ضعضع ْعظم منَّكْ للمذلّه ..
للمهانه ..
وْساومت ْجرحكْ على الخِسّه .. وْكفيته

وابْنك التوّ يناغي الخرز بالكاروك يا بْني
قلتْ : لا تخاف الموت جدّه

اللي ما مش أبوه عده
الحزب أبوه ْ..
الحزب بيته ْ..

يا بْني ها يْ أيّام ْ يِفرْزنْها القحط أيام محنه
يا بْني لا تثلمْ شرفنا ..
يا بْني .. يا وْليدي :
البراءة تْظل مدى الأيام عِفنه !!
وْ خلّي إيدكْ على شيبي
وِ حْلف بْطاهرْ حليبي
قطره .. قطره
وبْنظر عيني الْ عميته ْ
وْعِزْ أبوكْ الْما لواني ..
وْما لويته ْ ..
قللي ما أهدمْ { وطن } بيدي بنيته ْ
يا بْني ..
خلّي الجرحْ يِنطِفْ
خلّه يِرعفْ
خله ينزفْ
وأشار أبو عجرم إلى قدرة النواب على التوظيف التاريخي في خدمة الواقع وعلى قدرته ربط الماضي بالحاضر والدلالة على مايعتوره من إرهاصات مرتبطة بمخلفات ماضٍ يستنهضه الصراع المُعاش بكل أشكاله وإدراكه لأبعاد الأثر السياسي بالاجتماعي الذي عمل عليه الاستعمار وأذنابه في المنطقة العربية للإبقاء على الهيمنة وسرقة الثروات وتمزيق شعوب المنطقة فقال النواب مدللاً على ذاك الواقع العربي بقصيدة جاء فيها:
للخط الكوفي يتم صلاة الصبح
بإفريز جوامعها
لشوارعها
للصبر
لعلي يتوضأ بالسيف قبيل الفجر

أنبيك علياً!
ما زلنا نتوضأ بالذل ونمسح بالخرقة حد السيف
ما زلنا نتحجج بالبرد وحر الصيف
ما زالت عورة عمرو بن العاص معاصرةً
وتقبّح وجه التاريخ
ما زال كتاب الله يعلق بالرمح العربيّة!
ما زال أبو سفيان بلحيته الصفراء,
يؤلب باسم اللات
العصبيات القبلية
مازالت شورى التجار ترى عثمان خليفتها!
وتراك زعيم السوقيّة
لو جئت اليوم
لحاربك الداعون إليك
وسموك شيوعيّا

ولفت أبو عجرم إلى إفادة النواب من الواقع وتصويره لكثيرٍ من أحداثه وحكاياه ومنها ما صاغه شعراً بنقله لما أباحت له تلك المرأة الجالسة معه في القطار وما تعانيه من آلام حبّ لم يُكتب له الحياة إنما بقيت تكابده :
" كان مظفر النواب مسافرا بالدرجة الثالثة في القطار ..وكانت تجلس امامه امرأة اربعينية جميلة الملامح والقسمات كانت متعبة وقد جافى عيونها النوم ..
فتحدث معها وحكت له قصتها
كان القطار يمر بقرية تسمى ( أم الشامات ..) فكان يبطيء وﻻ يتوقف ..
وفي هذه القرية احبت هذه المرأة ابن عمها .. واشتهر حبهما ..
وحسب العادات والأعراف القبلية .. ﻻ يجوز تزويجهما
فاضطرت المرأة للهرب الى بغداد .. وعاشت حياتها هناك ..
وكلما صعدت قطار الجنوب ومر القطار بهذه القرية .. يمر بمضيف حبيبها .. فتعود الذكريات "
وهكذا تراءت القصيدة لمظفر :
مرينا بيكم حمد "
واحنا بقطار الليل ..
واسمعنا دق اقهوة وشمينا ريحة هيل ...
ياريل صيح بقهر صيحة عشك ياريل....
هودر هواهم ولك
حدر السنابل قطا ...
ياريل طلعوا دغش والعشق كذابي .....
دق بيه كل العمر مايطفي عطابي....
تتوالف ويّ الدرب وترابك ترابي ....
هودر هواهم ولك حدر السنابل قطا
إن جملة الأحداث التي عصفت بالمنطقة العربية منذ عام 1948 انتهاءً بما جاءت به سنة 2011 من خريف وقحط عربيين جعلت روح النواب ونفسه تنكسران أمام المشروع النهضوي العربي الذي ناضل من أجله ووهب له حياته الأدبية مما جعل النواب يعيش صراعاً داخلياً أفاضه على الورق نتيجة التباين الذي يعانيه الوطن العربي بين إمكانياته وواقعه .


المركز الثقافي العربي في جرمانا
27/ 8/ 2018

Share  
التعليقات (التعليقات تعبر عن آراء أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع)
أضف تعليق

(الحقول المرمزة بـ * مطلوبة، سيتم عرض التعليق بعد مراجعته)

الاسم
*

نص التعليق (الحد المسموح 500 حرف)
*

أكتب هنا الأحرف التي تظهر لك في الصورة في الأسفل:




تابع نشاطات المديرية
خلال هذا الشهر


نشاطات اليوم


آخر الأخبار


free counters

أضف الموقع إلى المفضلة

مديرية الثقافة بريف دمشق © 2017 - 2012
Copyright © doc-dc.gov.sy
م. رندة بشير تصميم وتطوير
Designed & Developed by Eng. Randa Basheer
اتصل بنا ورقة وقلم
صفحة للقراء
نوافذ ثقافية متميزة
روابط مفيدة
مكتبة
مكتبة الصور
المكتبة الإلكترونية
معلومات وإحصائيات
أعلام الأدباء
كشكول
الأخبار
المعارض
الإعلانات
أجندة
النشاطات
المقالات
بوصلة
المراكز الثقافية
معاهد الثقافة الشعبية
المكتبات
المديرية
نشاطات المديرية